أحمد مصطفى المراغي

39

تفسير المراغي

الأوثان والأصنام ، ولقد تراهم إذا جاء البرهان الساطع أعرضوا عنه وقالوا : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون . ( حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ) أي حتى إذا حلّ بهم بأسنا يوم القيامة ، وحاق بهم سوء العذاب ، صاحوا صيحة منكرة وقالوا : وا غوثاه ، ووا سوء منقلباه ، لشدة ما يروه من الكرب والهول ، ولا سيما مترفوهم الذي انقلب أمرهم من النعيم إلى العذاب الأليم ، وندموا حين لا ينفع الندم : ندم البغاة ولات ساعة مندم * والبغي مرتع مبتغيه وخيم ثم أبان أن الصريخ والعويل لا يجديهم نفعا فقال : ( لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ) أي قلنا لهم : هيهات هيهات ، قد فات ما فات ، الآن لا يجديكم البكاء والعويل ، فهذا وقت الجزاء على ما كسبت أيديكم ؛ وقد حقّت عليكم كلمة ربكم ، ولا مغيث من أمره ، ولا ناصر يحول بينكم وبين بأسه . ولا يخفى ما في ذلك من التهويل الشديد لذلك اليوم وأنه لا تجدى فيه ضراعة ولا استغاثة ، ولا ينفع فيه ولىّ ولا نصير . ثم ذكر سببا آخر يبين أن البكاء والصراخ لا ينفع شيئا فقال : ( قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ) أي دعوا الصراخ فإنه لا يمنعكم منا ، واتركوا النصير فإنه لا ينفعكم عندنا ، فقد ركبتم شططا ، وجاءتكم الآيات والنذر فأعرضتم عن سماعها ، فضلا عن تصديقها والعمل بها ، وكنتم كمن ينكص على عقبيه مولّيا القهقرى ، نافرا مما يسمع ويرى . ثم ذكر سببا ثالثا يدعو إلى التنكيل بهم والتشديد في عذابهم فقال : ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ ) أي تعرضون عن الإيمان ، مستعظمين بالبيت الحرام ، تقولون نحن أهل حرمه وخدّام بيته ، فلا يظهر علينا أحد ، ولا نخاف أحدا ، وتسمرون حوله وتتخذون القرآن سلواكم ، والطعن فيه هجّيراكم ، تهذون فتقولون : هو سحر ، هو شعر ، هو كهانة إلى آخر ما يحلو لكم أن تتقوّلوه .